محمد أبو زهرة

2833

زهرة التفاسير

وضلال تفكيرهم ، وفي هذه الآيات يذكر - سبحانه - عاقبة أمرهم وهي دخولهم في مجتمع أهل النار فقال تعالى : قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ . القائل هو اللّه تعالى ولم يصرح به بجوار الفعل ؛ لأنه مذكور دائما في الأفهام وفي القلوب فلا حاجة إلى ذكره ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ « في » هنا قيل : إنها بمعنى « مع » ، أي ادخلوا مع أمم قد خلت أي مضت من قبلكم في النار ، ونحن نرى أن « في » معناها الظرفية كأصل وصفها ، وإدخالها في هذه الأمم فيه إشارة إلى أنها وليست غيرا عنها ، والمعية قد توهم المغايرة ، ولا مغايرة بل هم أمم في ذواتهم ، وهم أمة واحدة في كفرهم ، فإن فرقتهم الأجيال فقد جمعهم الضلال وجمعهم العقاب ، والتكذيب لآيات اللّه تعالى ، والمعاندة لأحكامه . وقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ ، أي مضت قبلكم منتحلة ما انتحلتم ، مكذبة ما كذبتم من الحق والآيات ، كاذبة على اللّه وغير مصدقة لآياته ، ومستكبرة عنها . وهذا النص يفيد أولا - أن الكفر كله ملة واحدة لا تفريق بينها ، فالباطل قد جمعها والعقاب قد وحدها ، ويفيد ثانيا أنه يتسلسل في الأجيال جيلا بعد جيل ، وبعد تفرقهم في الأجيال تجدهم قد التقوا في النار جميعا ، وإن تنظر إلى تاريخ الملل والديانات الإنسانية تجدها أحيانا تتلاقى في نوع واحد من الكفر ، فتجد مثلا عقيدة التثليث في الاعتقاد المزعوم من آلهة ثلاثة يوجد عند المصريين وعند البراهمة ، وعند البوذية وعند الأفلاطونية الحديثة التي قبست من البرهمية والبوذية . . وعند النصارى الذين اتبعوا بولس ، وقد قبسوها من البرهمية الذين قالوا في « كرشنة » ما قاله هؤلاء في يسوع عند بولس ، وقبسوها أيضا من كلام البوذيين في بوذا ، فنحلوه ليسوع في زعمهم ، ثم قبضوا القبضة الكبرى من الأفلاطونية ، وسموا ذلك نصرانية بعد أن انحرفوا عن المسيح - عليه السلام - الذي علمهم التوحيد واعتنقوه حتى غيروا وبدلوا .